
كلما أمعنت النظر في الحياة الأسرية الفلسطينية اليوم , نقلتني الذاكرة إلى روايات وقصص جدي عن العادات والتقاليد الأصلية الجميلة ,في الزمن البسيط الجميل , والتى لم تعد تربطنا بها سوى خيوط رفيعة , وبدأت للأسف تطفو على السطح , بعض التشوهات الاجتماعية , في الآونة الأخيرة , والمتمثلة في زيادة العنف , واندثار قيم التسامح , والنخوة , والتجرد من كل ما هو إنساني , وطغيان القيم المادية , وهو ما تجسده قضيتنا اليوم , حيث تجرد عم من كل معاني الإنسانية , ومارس كل طقوس العنف والقهر ضد ابن أخيه الطفل اليتيم , الذي لا يتجاوز الثالثة عشر عاما , ليهيم الأخير على وجهه في الأرض باحثا عن مأوى , ومكان فيه بعض السكينة , والأمان , وكثير من الحنان الذي فقده منذ ولادته .
…. مركز شرطة خان يونس …..
بينما كنت جالس في مكتب مسئول العلاقات العامة في مركز شرطة خان يونس, أتابع معه قضية كنا قد نشرناها , دخل علينا شابين ومعهم طفل يبدو عليه التعب والإرهاق والبؤس والتشرد , اعتقدت للوهلة الأولى أن هذا الطفل قد قام بعمل مشين , وبعد أن التقط الشابان أنفاسهما , تحدث أحدهما قائلا : نحن نعمل في كافيتيريا على شاطئ البحر , وفاجئنا بدخول هذا الطفل علينا الساعة الثانية بعد منتصف الليل , وكان يبدو عليه الإرهاق والتعب , وطلب منا إيواءه وإطعامه , وفعلا قمنا بذلك , وانتظرنا حتى انتهاء دوامنا , وأحضرناه لنخلي مسؤوليتنا , ونتمنى منكم , سماع قصته التي أبكت قلوبنا .”
… قتل أبوه … وتزوجت أمه ….
وبالصدفة انشغل مسئول العلاقات العامة في أمر طارئ , وانتهزت الفرصة وطلبت من الطفل أن يروي لي قصته من البداية , قال وبصوت يئن من غدر الزمان ممزوجا بكل أنواع القهر , والظلم واليتم : اسمي فارس عزام , عمري ثلاثة عشر عاما , من سكان محافظة خان يونس , أقيم عند جدتي , فسألته عن سبب مكوثه عند جدته , فقال : والدي كان يعمل في السلطة , وأثناء تنظيف زميله لسلاحه خرجت رصاصة واستقرت في صدر أبي ( حسب رواية والدته ) , حيث كنت صغيرا لا أتجاوز العامين عندما توفي والدي , أما عن والدتي , فبعد وفاة والدي , ونظرا لصغر سنها , أجبرها عمها على الزواج من رجل آخر , وفعلا تزوجت في دير البلح , وزوجها رفض مكوثي عنده , فتركوني عند جدتي , التي تولت كل شؤوني .
…… معاملة قاسية … وتفرقة عنصرية ….
ومنذ ذلك الوقت , وأنا أعيش مع جدتي في الطابق الأول , وعمي حسام في الطابق الثاني , وهو معاق حركيا , وعمي حسام يضربني بصفة دائمة , ويعنفني بألفاظ مخزية , خاصة أمام أولاده , وكثيرا ما يمنعني من اللعب معهم , ويعاملني كأني ابن الخدام , لا ابن أخيه , كذلك يحاول التقليل من شأني , ويفرق في المعاملة بيني وبين أولاده , ويضع حدودا لتلك العلاقة , وأضاف بكلمات تقشعر لها الأبدان , ما بعرف ليش عمي بيعاملني هيك معاملة , رغم أنني أحاول فعل كل ما يرضيه .
ودائما ما يقوي أولاده الصغار علي , ليسبوني , ويسرقوا إغراضي , التي تحضرها أمي لي , وانصدمت عندما سألته عن جدته , التي هي من المفترض أن تكون مصدر الحنان والأمان لهذا الطفل اليتيم , فقال : جدتي تعاملني تقريبا بنفس الطريقة , فهي تعنفني دائما , وتفرق في المعاملة بيني وبين أولاد عمي ودائما تسب وتشتم والدتي , وتصب جام غضبها علي , خاصة عندما أطلب منها الاتصال ب
المزيد