اهلا بكم في مدونة الاغلبية الصامتة  بكم تكتمل الحقيقة

 

مدونة الأغلبية الصامتة

تذكر أخي الزائر أن حرية الفكر والتعبير لا تعني الشتم والتشهير أهلا بك أن احترمت حريتي

عاصمة دولة فلسطين مباشر     

السبت,تموز 19, 2008


121644

كلما أمعنت النظر في الحياة الأسرية الفلسطينية اليوم , نقلتني الذاكرة إلى روايات وقصص جدي عن العادات والتقاليد الأصلية الجميلة ,في الزمن البسيط الجميل , والتى لم تعد تربطنا بها سوى خيوط رفيعة , وبدأت للأسف تطفو على السطح , بعض التشوهات الاجتماعية , في الآونة الأخيرة , والمتمثلة في زيادة العنف , واندثار قيم التسامح , والنخوة , والتجرد من كل ما هو إنساني , وطغيان القيم المادية , وهو ما تجسده قضيتنا اليوم , حيث تجرد عم من كل معاني الإنسانية , ومارس كل طقوس العنف والقهر ضد ابن أخيه الطفل اليتيم , الذي لا يتجاوز الثالثة عشر عاما , ليهيم الأخير على وجهه في الأرض باحثا عن مأوى , ومكان فيه بعض السكينة , والأمان , وكثير من الحنان الذي فقده منذ ولادته . 
.... مركز شرطة خان يونس .....
 
بينما كنت جالس في مكتب مسئول العلاقات العامة في مركز شرطة خان يونس, أتابع معه قضية كنا قد نشرناها , دخل علينا شابين ومعهم طفل يبدو عليه التعب والإرهاق والبؤس والتشرد , اعتقدت للوهلة الأولى أن هذا الطفل قد قام بعمل مشين , وبعد أن التقط الشابان أنفاسهما , تحدث أحدهما قائلا : نحن نعمل في كافيتيريا على شاطئ البحر , وفاجئنا بدخول هذا الطفل علينا الساعة الثانية بعد منتصف الليل , وكان يبدو عليه الإرهاق والتعب , وطلب منا إيواءه وإطعامه , وفعلا قمنا بذلك , وانتظرنا حتى انتهاء دوامنا , وأحضرناه لنخلي مسؤوليتنا , ونتمنى منكم , سماع قصته التي أبكت قلوبنا ."   "
... قتل أبوه ... وتزوجت أمه ....
 
وبالصدفة انشغل مسئول العلاقات العامة في أمر طارئ , وانتهزت الفرصة وطلبت من الطفل أن يروي لي قصته من البداية , قال وبصوت يئن من غدر الزمان ممزوجا بكل أنواع القهر , والظلم واليتم : اسمي فارس عزام , عمري ثلاثة عشر عاما , من سكان محافظة خان يونس , أقيم عند جدتي , فسألته عن سبب مكوثه عند جدته , فقال : والدي كان يعمل في السلطة , وأثناء تنظيف زميله لسلاحه خرجت رصاصة واستقرت في صدر أبي ( حسب رواية والدته ) , حيث كنت صغيرا لا أتجاوز العامين عندما توفي والدي , أما عن والدتي , فبعد وفاة والدي , ونظرا لصغر سنها , أجبرها عمها على الزواج من رجل آخر , وفعلا تزوجت في دير البلح , وزوجها رفض مكوثي عنده , فتركوني عند جدتي , التي تولت كل شؤوني .
 
...... معاملة قاسية ... وتفرقة عنصرية ....
 
ومنذ ذلك الوقت , وأنا أعيش مع جدتي في الطابق الأول , وعمي حسام في الطابق الثاني , وهو معاق حركيا , وعمي حسام يضربني بصفة دائمة , ويعنفني بألفاظ مخزية , خاصة أمام أولاده , وكثيرا ما يمنعني من اللعب معهم , ويعاملني كأني ابن الخدام , لا ابن أخيه , كذلك يحاول التقليل من شأني , ويفرق في المعاملة بيني وبين أولاده , ويضع حدودا لتلك العلاقة , وأضاف بكلمات تقشعر لها الأبدان , ما بعرف ليش عمي بيعاملني هيك معاملة , رغم أنني أحاول فعل كل ما يرضيه .
ودائما ما يقوي أولاده الصغار علي , ليسبوني , ويسرقوا إغراضي , التي تحضرها أمي لي , وانصدمت عندما سألته عن جدته , التي هي من المفترض أن تكون مصدر الحنان والأمان لهذا الطفل اليتيم , فقال : جدتي تعاملني تقريبا بنفس الطريقة , فهي تعنفني دائما , وتفرق في المعاملة بيني وبين أولاد عمي ودائما تسب وتشتم والدتي , وتصب جام غضبها علي , خاصة عندما أطلب منها الاتصال بوالدتي , ودائما تردد عبارتها الشهيرة "أمك تركتك لتتزوج ,....,....,.......؟؟؟ "
 
.... دكتور خصوصي ....
 
من المبكي المضحك , ما قاله فارس عندما ذكر أن جدته تأخذه إلى دكتور خصوصي , حتى تنسيه أمه .
فقد ذكر لنا , أن جدته تأخذه كل فترة على دكتور , يضع أسلاكا كهربائية في رأسه , ويعطيه حبوب تجعله ينام نوما عميقا , وضحكت من شدة الغيظ عندما قال لي فارس أنه سمع جدته تقول للدكتور : عايزاك تعطيه حبوب تنسيه أمه , لأنه جنني !! , وهذا ما دفعني لأستفسر أكثر عن معاملة جدته في النواحي الحياتية الأخرى , فقال : أنها تضع لي الأكل , ولكنها تمنعني من تناول وجبات أخرى غير الرئيسية , وهو ما يدفعني لسرقة الخبز والجبن من ورائها , وإذا عرفت بذلك , فإنها تعنفني وتسبني كالعادة , وأما الحمام فتحممني مرة في الأسبوع , وإذا شعرت أنني أريد الاستحمام في غير اليوم المحدد لي , فأقوم بذلك عندما تخرج من البيت , وقال بصوت يئن من القهر والظلم : أن معاملة جدتي لا تختلف كثيرا عن معاملة عمي حسام ..؟.
 
.....زيارة موسمية ....
 
أما عن والدته المغلوبة على أمرها , فهي تحت رحمة رجل لا يعرف الرحمة , ويقول فارس أن والدته تزوره من فترة لأخرى , ومعظم الأحيان تكون دون علم زوجها , الذي يمنعها في أغلب الأحيان من زيارة أبنها , وقال : أمي حنونة جدا , وعندما تزورني تقوم بإحضار الطعام , واللعب والملابس لي .
وقال فارس : دائما أقول لأمي أن تخرجني من هذا السجن الظالم , وتأخذني لأعيش معها , ومع أولادها , لكنها تبكي وتقول : زوجي , وأعمامك لن يرضوا بذلك , وأضاف فارس أنه في إحدى المرات قبل عام تقريبا , اصطحبته والدته إلى البيت ليقضي أسبوعا معها , إلا أن زوجها قام بتعنيفها وضربها , واضطرت أن ترجعني بنفس اليوم إلى بيت جدتي .
 
.... هائما على وجهه .....
 
سألت الطفل عن السبب المباشر الذي جعله يخرج من البيت , فقال : أحضرت لي والدتي دراجة هوائية , قبل أسبوع , وقام أولاد عمي بتكسيرها وتخريبها , بعد يومين فقط , لم أفرح عليها بعد , فقمت على اثر ذلك بضرب أولاد عمي , من شدة غيظي , فقام عمي بضربي , وطردي من البيت , ومنذ الساعة الثانية بعد الظهر , وأنا امشي في الشوارع , لا أعرف أين أذهب , فهمت على وجهي , من شارع لشارع , وعندما اتعب أستريح لبعض الوقت على الأرض , حتى قادتني رجلاي ودون أن اشعر إلى شاطئ البحر , ورأيت أناس سهرانين فذهبت عندهم , وطلبت منهم المبيت عندهم , وقاموا بإكرامي , وإطعامي , وقضيت عندهم ساعات قليلة , مليئة بالأمان والاطمئنان , لم أعشها أبدا في حياتي .
 
...... لا يشعر باليتيم إلا اليتيم .....
 
محمود جميل البيوك , شاب في بداية العشرينات , من عمره , يعمل في كافيتيريا
على شاطئ البحر قال لنا : لقد تعاطفت جدا مع فارس , لأنني تربيت مثله يتيما , وقاسيت وعانيت الأمرين , من أقرب الناس لي , وما سمعته من فارس فاق كل حدود العقل والمنطق , حيث روى لي بالأمس , قصصا عن عمه المجرم , الذي تجرد من كل معاني الإنسانية , وقال : لو شاهدت معي حالة هذا الطفل عندما قدم إلينا بالأمس , لبكيت لحاله , فحالته كانت صعبة جدا , وعندما وضعنا له الطعام ليأكل , اعتقدت أنه لم يأكل منذ شهر .
وأضاف محمود : يا ريت عندي إمكانيات مادية , لتبنيت هذا الطفل , ولكني لا استطيع أن اصرف على نفسي , كلمات لا تخرج إلا من إنسان ذاق ما ذاقه فارس.
 
.... طلب أخير .....
 
وعندما أنهيت حديثي مع الطفل , حاولت أن أخفف عنه ببعض الكلمات , وعندما هممت بالمغادرة قال لي فارس : ممكن اطلب منك طلب ؟؟ فقلت له : نعم !!
قال وبصوت يجعل شعر رأسك يقف من شدة الحزن الممزوج بالألم والقهر : أنا مش عايز ارجع عند عمي , أنا عايز أعيش عند محمود في البحر , واشتغل عنده , بس ما ترجعوني عند جدتي , أمانة عليك .
 
من المؤكد أن هذا العم , يدرك تماما أن ما يمارسه من عنف لفظي وجسدي ضد ابن أخيه اليتيم , يؤسس فعليا لواحدة من اثنين :
الأولى , مشروع مريض نفسي , لاهداف في نفسه, والثاني مشروع مجرم , فكم العنف والقهر والظلم , الذي يمارس على فارس لن ينتج إنسانا سويا .
هذا الطفل ضحية مجتمع , لا يلومه أحد إذا أصبح مجرما , فالبيئة تؤهل لذلك , بحثت عن قوانين تحدد تلك العلاقة , وتجرم العم , فوجدت أن القوانين حتى لو كانت موضوعة فهي تعد في عالم الظلام , فأقصى إجراء قانوني سيتبع أن تستدعي الشرطة العم وتأخذ عليه تعهدا , أن لا يتعدى بالضرب على ابن أخيه , وأنا أؤكد لكم أنه بمجرد ذهابه هناك سيعود العم لممارسة ما يرتكبه ضد ابن أخيه , وأتساءل : هل هناك متابعة من الشرطة , وضمان عدم اعتداء العم على ابن أخيه , أؤكد لكم أن هذا الإجراء غير متبع , ولا توجد عندنا كما في الدول الأخرى , شرطة التوجيه والعناية الأسرية والتي تضمن عدم تعرض الأطفال للعنف , من قبل ذويهم  .
فمن يا ترى سيهتم لأمر هذا الطفل المسكين , ويرفع عنه الظلم القادم والموحش ...؟؟؟
هذا الطفل أمانة بعنق كل مسؤول في هذا البلد , دون تحديد أسماء , فهم يعرفوا أنفسهم جيدا , أما نحن فقد حاولنا بقدر المستطاع أن نوصل رسالة هذا الطفل بأمانة وموضوعية .
إلى هنا انتهت كلماتنا في وكالة قدس نت للانباء... ولكن آهات وأنات فارس لم تنتهي بعد , تجلجل في السماء , وترتد الى الأرض لعلها تصادف من يهتم بها , وينقذه للأبد , ليخرج أنسانا نافعا سويا ...



 

ما فائدة القلم إذا لم يفتح فكراً ...
ما فائدة القلم إذا لم يضمد جرحاً
...
ما فائدةالقلم إذا لم يرقأ دمعة
...
ما فائدة القلم إذا لم يطهر قلباً
...
ما فائدةالقلم إذا لم يكشف زيفاً
...
أو يبني صرحاً يسعد الإنسان في ضلاله

 الكلمة هي الفكرة والفكرة يمكن أن تصبح ثورة والثورة يمكن أن تطيح الطغاة الظالمين