اهلا بكم في مدونة الاغلبية الصامتة  بكم تكتمل الحقيقة

 

مدونة الأغلبية الصامتة

تذكر أخي الزائر أن حرية الفكر والتعبير لا تعني الشتم والتشهير أهلا بك أن احترمت حريتي

عاصمة دولة فلسطين مباشر     

الجمعة,تموز 11, 2008


121577121577

الذل الذي تعيشه اسرائيل - التعبير لرئيس الحكومة الاسرائيلي ايهود اولمرت - بسبب ابرام صفقة تبادل الأسرى مع 'حزب الله'، هو لحظة تأمل بالنسبة الى الفلسطينيين واللبنانيين واستعادة للذاكرة. تضمنت الصفقة، اضافة الى اطلاق الأسرى اللبنانيين في السجون الاسرائيلية، وفي مقدمهم سمير القنطار، اقفال ما يطلق عليه الاسرائيليون اسم 'مقبرة الغرباء'، التي هي مقبرة في شمال فلسطين، وتضم رفات حوالى ثلاثمئة فدائي وفدائية سقطوا في هذا الصراع الطويل المستمر، منذ اندلاع الثورة الفلسطينية في اواسط الستينات من القرن المنصرم.
الخبر الذي هزّني، هو قرار إعادة رفات دلال المغربي ورفيقها يحيى سكاف الى لبنان. فدلال كانت اول قائدة عسكرية في صفوف المقاومة، وقادت فصيلا مسلحا من ثلاثة عشر فدائيا. وصل الفدائيون الى شاطئ حيفا في زورقين مطاطيين، قاموا بتلفهما على الشاطئ، كي لا تكون عودة الى الوراء، ثم نفّذوا احدى اجرأ العمليات الفدائية في تاريخ الثورة الفلسطينية، واستشهدوا جميعا.
تشاء الصدف، ان يعطيني القائد الشهيد ابو جهاد، خليل الوزير، اوراق دلال المغربي الشخصية، طالباً مني الكتابة عنها. اخذتُ الاوراق واحتفظت بها. كانت اللحظة عاطفية واكبر من طاقة الشاب الذي كنته على الاحتمال. طويت الأوراق ووضعتها في الخزانة البيضاء، وكدت انساها. لكن ذاكرة الشاب الذي كان في الثلاثين، كانت تلاحقني دوما، فأعود الى الكلمات المكتوبة بخط يد فتاة في العشرين من عمرها، واقول انها ستكون جزءا من روايتي الجديدة. لكني كنت اتردد في كل مرة. فهل يحق لي ان احوّل الفتاة السمراء ذات العينين الساحرتين الى حكاية؟
انظروا الى الصورة (الغلاف). القاتل يقتل القتيل. ايهود باراك، وزير الدفاع الاسرائيلي الحالي، الذي قتل بيديه كمال عدوان وكمال ناصر ومحمد يوسف النجار في مجزرة فردان في بيروت في العاشر من نيسان 1973، واشرف على اغتيال ابو جهاد الوزير في تونس، هذا القاتل يطلق النار من مسدسه على جثة دلال المغربي.
ليست الرموز عبثاً. خليل الوزير اطلق على الفصيل المقاتل الذي قادته دلال المغربي اسم 'مجموعة دير ياسين'، كما اطلق على العملية اسم 'عملية الشهيد كمال عدوان'. مناحيم بيغن كان رئيسا للحكومة الاسرائيلية في 11 آذار 1978، اي يوم العملية. بيغن هذا، هو جزّار دير ياسين، الذي شاء التاريخ ان ينهي حياته في مستشفى اسرائيلي للامراض العقلية في دير ياسين نفسها.
عالم تختلط فيه الرموز بالدماء. القاتل نفسه، والضحية نفسها. لكن دلال المغربي ورفاقها لم يذهبوا الى الموت كالخراف. الفتاة السافرة السمراء، ابنة الحركة الوطنية الفلسطينية، والمناضلة في حركة 'فتح'، ذهبت الى فلسطين كي تعود الى وطنها الذي لم تره. وحين زار ياسر عرفات منزل والدها في كورنيش المزرعة في ذكرى أربعينها، معزياً، ابلغ اليه والدها انه لا يسعى الى استعادة جثة ابنته، لأن وصية الفتاة ان تُدفن في فلسطين.
حكاية دلال المغربي، لا تثير فينا ذاكرة ايام البطولة فقط، بل تساعدنا في فهم اعمق لضرورة تغيير هذا الواقع الأرعن الذي تعيشه فلسطين اليوم، وسط نكبتها المتجددة.
تروي الحكاية عن فتاة ولدت في 12 كانون الأول 1958، في كورنيش المزرعة في بيروت، لكنها لم تنس يافا القديمة التي طُرد منها والدها عام 1948. درست في مدرسة يعبد التابعة لوكالة الغوث. في السابعة من عمرها دخلت معسكر الأشبال التابع لحركة 'فتح'. بعد نهاية المرحلة الابتدائية انتقلت الى مدرسة حيفا الاعدادية، وانضمت الى الاتحاد العام لطلبة فلسطين. في ايار من عام 1973، شاركت مع رفاقها الطلبة في القتال في منطقة الجامعة العربية، وانضمت الى السرية الطالبية في حركة 'فتح'.
كتبت دلال المغربي في يومياتها عن تجربتها وعن قائد السرية الطالبية سعد جرادات: 'وكان اسم قائدنا سعد جرادات، المناضل الواعي الذي لا تعرفونه تماما، ولكنه كان سعد الاحراش وجرش وكان بطل الوحدات في عمان'. استشهد سعد في الحرب الأهلية اللبنانية بينما كان في دورية استطلاع، وسُحلت جثته في الأشرفية. قاتلت دلال في رأس النبع والبرجاوي والسوديكو والشياح، كما شاركت مع السرية الطالبية التي صارت كتيبة، في القتال في صنين وتلال عينطورة، قبل ان تلتحق بالخدمة الخاصة، فتصير 'جهاد'، وهذا هو اسمها الحركي، القائدة العسكرية الفلسطينية الأولى التي تقاتل في الطريق الساحلي بين حيفا وتل ابيب.
في اليوميات التي بين يديَّ، كلام عن معاناة فتاة تقاتل وحدها مع الرجال: '... دخلت معسكر بيصور، بالقرب من منطقة كيفون، وكنا في المعسكر ستين عنصرا، وكنت الفتاة الوحيدة هناك، لأن جميع الأخوات تحججن برفض الأهل لوجودهن في الجبل. استدعاني قائد الكتيبة الطالبية معين الطاهر وامرني بالنزول الى بيروت، لأن من الخطأ ان اكون الفتاة الوحيدة هنا، لكني رفضت، فأمرني ان اتحرك الى المعسكر كي يعاقبني...'.
لكن الحكاية فيها ايضا الكثير من سحر الحكاية، وخصوصا عندما تروي عن رحلتها البحرية التدريبية مع مجموعة الشبان، الذين ستقودهم الى فلسطين: 'لم يكن يجمعنا سوى حب الهدف، كان وجودي خلال رحلتنا (التدريبية) في الباخرة، يعطي الشباب دفعا. تصوروا كيف كنت انام. كنت انام مع اربعة شباب في السرير نفسه ولا نخجل، وكنا جميعا يدا واحدة وارادة واحدة وكلمة واحدة. كنا نأكل ونغنّي ونرقص، في انتظار وقت النزول الى الهدف. تعذبت كثيرا، وتحملت الكثير، اذ لم يكن هناك تواليت في السفينة. ربما لن تصدّقوا، فأنا خلال الأيام الأربعة التي أمضيناها في الباخرة لم ادخل الحمّام منتظرة الوصول الى الشاطئ. عشت في البحر مع المرض والتعب والارهاق الشديد، لكني في مقابل ذلك، كنت ارفع معنويات الشباب، اغنّي واطبخ واعّد الشاي'.
التدريب البحري كان تتويجاً لمسيرة نضالية طويلة، لكنه كان ايضاً تجسيداً لفكر وموقف نقديين، رافقا التجربة الفلسطينية وكانا صمّام الآمان لحمايتها من الانتهازيين الذين تسللوا الى صفوفها: 'سوف اطرح رأيي في حركة 'فتح'، هناك من جهة نضال بالسيارات والمكاتب والتنظير والمسدسات، وهناك من جهة اخرى نضال بالفداء والتضحية والعطاء والتمسك بالشعب والالتصاق بالارض. ولثورتنا القدرة على التخلص من اللصوص والجبناء المندسين في صفوفنا... استمعت الى بعض الناس تقول ان الثورة انتهت، يقولون هذه ثورة التشبيح والسرقة والزعرنة، ثورة عشائرية... لكن على رغم الممارسات الخاطئة تبقى 'فتح' رائدة، انها قاطرة الثورة العربية... مصير المتسلقين ان يتساقطوا جميعا ولا يبقى سوى الشرفاء كأبطال الخدمة الخاصة وقائدهم مجيد'.
هذا الموقف النقدي الشجاع، كان الموقف السائد في صفوف شباب 'فتح' في تلك المرحلة. لكن هذا الموقف لم يدفعهم الى التراجع، بل على العكس من ذلك، خلق فيهم روح التحدي وقادهم الى البطولات التي بلغت ذروتها مع احد قادة الكتيبة الطالبية، علي ابو طوق، دفاعاً حتى الموت عن مخيم شاتيلا في حرب المخيمات الاجرامية.
في السادسة عشرة من عمرها تركت دلال المغربي المدرسة، وهي في الصف الثانوي الثاني، كي تلتحق بالفدائيين، وتوجت حياتها بـ'عملية كمال عدوان'، التي دخلت التاريخ الفلسطيني في وصفها نموذجا لقدرة المقاومة على تجديد نفسها، ومواجهة المنعطفات التاريخية.
في آذار 1978، كان الحصار السوري للمقاومة قد بلغ ذروته. الجيش السوري في لبنان، وشهوة مصادرة القضية الفلسطينية والحاقها وتحطيم القرار الوطني الفلسطيني المستقل، واضحة لا لبس فيها. في تلك اللحظة قررت 'فتح' التوجه الى التناقض الرئيسي، مستعيدةً شعارها التاريخي: 'كل البنادق نحو العدو'.
'عملية كمال عدوان' قلبت كل المعطيات رأسا على عقب، واعلنت ان المقاومة عصية على الاحتواء.
لكن هذا القرار السياسي- العسكري لم يكن ممكنا لولا جيل الفدائيين، الذي صنعته قوى مناضلة كالكتيبة الطالبية، التي سيصير اسمها في ما بعد 'كتيبة الجرمق'. ففي مناخات التضحية وخدمة الشعب، وفي ظل التمسك بالهوية الوطنية، امكن المقاومة ان تخرج من الحصار، وان تمتلك المبادرة.
فجر السبت 11 آذار 1978، كان اثنا عشر فدائيا فلسطينيا، تقودهم فتاة في العشرين من عمرها، على متن احدى السفن التجارية. عندما وصلت السفينة الى محاذاة شاطئ حيفا، القى الفدائيون زورقين مطاطيين من طراز 'زودياك' في اليمّ، ثم القوا بأنفسهم، اثنان ابتلعتهما الأمواج، فركب الفدائيون الاحد عشر الزورقين وابحروا في اتجاه الشاطئ الفلسطيني. عند وصولهم الى شاطئ حيفا بدأت المغامرة، التي كانت تهدف الى الاستيلاء على احد الفنادق في تل ابيب، والمطالبة بإطلاق مجموعة من الأسرى الفلسطينيين. استولى الفدائيون على باص يتسع لخمسة وعشرين راكبا، وفي الطريق الى تل ابيب شاهدت المجموعة باصا آخر فيه حوالى ستين راكبا، فاستولت عليه، وعندما وصل الباص الى سوق السيارات القديمة في هرتزيليا، اصطدم بحاجز رئيسي للقوات الاسرائيلية اقيم قرب نادي 'كاونتري كلوب'، وهناك حدثت المعركة الرئيسية، حيث غادرت غالبية الفدائيين الباص وتعاملت بالنار مع القوات الاسرائيلية، واستمرت المعركة حوالى 45 دقيقة، لتنتهي بمشهدين:
المشهد الأول، هو صورة الباص محترقاً، وقد اعترف رئيس الحكومة الاسرائيلي آنذاك مناحيم بيغن بأنه اصدر الأمر بضرب الباص، لأنه كان يطلق النار.
المشهد الثاني، هو صورة ايهود باراك مطلقاً النار من مسدسه على جثة دلال المغربي (الغلاف).
كتبت دلال المغربي وصفا استباقيا للمشهد:
'قتلوني، لأنني احببت تراب وطني وسماء وطني ووجوه الأطفال الفقراء. قتلوني، لأنني عشقت حقول القمح، ودفء الشمس... نعم سأرقص كالأطفال فوق ارض وطني وتحت سماء بلادي، فأنا نبع الثورة الذي لا ينضب'.
هذا هو الفرق بين خيال القاتل، وخيال الضحية. الفتاة ذهبت الى وطنها كي تلتقي بالأرض، والقاتل لا يملك سوى سلاح الحقد، الذي يدفعه الى اغتيال جثة!
ماتت دلال المغربي، وسقط معها رفاقها: محمود احمد ابو منيف (نابلس 1960)، يحيى محمد سكاف (المنية، طرابلس 1959)، خالد محمد ابرهيم (الكويت 1960)، خالد عبد الفتاح يوسف (طولكرم 1957)، محمد مسامح (طولكرم 1959)، محمد راجي الشرعان (صيدا 1958)، محمد حسين الشمري (اليمن 1958)، محمد فضل اسعد (اربد 1958)، عبد الرؤوف علي (اليمن 1956)، عامر احمد عامرية (المنية، طرابلس 1952)، حسين ابرهيم فياض (خان يونس 1960)، وعلي مراد (صور 1961).
امرأة من فلسطين، مزيج من احزان يافا وعطرها المسيّج بالحزن، ومأساة اللد ومجزرة جامع دهمش. امرأة خلعت حجاب التقاليد وكسرت المحرّمات الاجتماعية، ذهبت بحريتها لتلاقي الحرية. لم تذهب دلال المغربي ورفاقها الى الانتحار او الموت، بل ذهبت الى القتال، لأنها كانت تصنع الحياة.
ألا يقول لكم وجه هذه الفتاة شيئا؟ ألا يقول لكم وضوحها الوطني وتحررها واخلاقها الثورية العالية الكثير عن واقعكم اليوم؟ ألا تستحق ذاكرة البطولة ان تستعاد، وان تكون علامة مضيئة وسط هذين الظلام والاظلام في العالم العربي؟
لكن يبقى سؤال اخير: هل يجب ان تعود دلال المغربي الى لبنان؟
السؤال موجّه الى ذويها ورفاقها في 'فتح' ومنظمة التحرير. ألم تمت الفتاة من اجل ان تعود الى وطنها، فلماذا لا تدفن في فلسطين؟ ولماذا لا تكون ذاكراها مناسبة كي تستفيق 'فتح' من سباتها وتستعيد 'كتائب شهداء الأقصى' القرار الوطني الفلسطيني المستقل؟
يجب ان لا تعود دلال المغربي الى لبنان، فالعائدون لا يرجعون من وطنهم!



 

ما فائدة القلم إذا لم يفتح فكراً ...
ما فائدة القلم إذا لم يضمد جرحاً
...
ما فائدةالقلم إذا لم يرقأ دمعة
...
ما فائدة القلم إذا لم يطهر قلباً
...
ما فائدةالقلم إذا لم يكشف زيفاً
...
أو يبني صرحاً يسعد الإنسان في ضلاله

 الكلمة هي الفكرة والفكرة يمكن أن تصبح ثورة والثورة يمكن أن تطيح الطغاة الظالمين